أحمد بن محمد بن علي العاصمي
80
العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى
وقد قيل : إنّ قوله : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ حال على تأويل « ولا تمنن مستكثرا » ومنه قول الزاجر : « يقصر يمشي ويطول باركا » معناه : يقصر ماشيا ويطول باركا . فإن قيل : ما [ هو ] السبيل الّذي يهدي إليه في قوله : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ ؟ قلنا : روي عن أبي صالح ومجاهد والضحّاك والسدّي أنّ معناه : « هدي إلى مخرجه من الرحم » . وروي عن الحسن أنّه قال : هَدَيْناهُ أي دلّلناه على سبيل الهدى وسبيل الضلالة . وعن مجاهد من رواية أخرى : « الشقاء والسعادة » . وعن قتادة / 90 / : « بيّن له ما أحلّ له وما حرّم عليه » . فان قيل : كيف قال : إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً واللّه سبحانه تعالى عن الشكّ والريب ؟ قلنا : في « إمّا » وجهان : أحدهما : التخيير لاحد الأمرين أي أريناه إمّا طريق الشكر وإمّا طريق الكفر وخلقنا [ ه ] إمّا لأن يؤمن وإمّا لأن يكفر « 1 » . والثاني : أن يكون [ « إن » ] الّتي للشرط وصلت بها كسائر ما يفعل بها ذلك و
--> ( 1 ) وهذا الوجه مرفوض لمنافاته للأدلّة العقليّة ومحكمات الكتاب والسنّة ، والصواب أنّ الوصفين حال عن المفعول لا عن الفاعل أي حال عن الضمير في قوله « لمن هداه اللّه » أي بعد ما هديناه السبيل إمّا أن يكون شاكرا لنعمتنا فنزيده من فضلنا ، وإمّا أن يصبح كفورا لنعمتنا عليه ومختارا للضلالة على الهدى بسوء إرادته وعزيمته فنجزيه جزاء كافري النعم ومختاري السيّئات على الحسنات والغيّ على الرشد . والحاصل أنّ الآية الكريمة في مقام بيان أنّ هدايته تعالى بنصب الأدلّة والبراهين وتمكين البشر من فهمها واتّباعها - ليست ملازمة لأن يهتدي بها جميع أفراد الإنسان بل هدايتنا إنّما هو إحسان ولطف منّي وقطع لمعاذير العباد إن أعرضوا عنها ، أمّا الاهتداء بهدايتنا وعدم الاهتداء فراجع إلى حسن اختيار العباد أو سوء اختيارهم .